محمد سعيد رمضان البوطي
359
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
مقتل عمر رضي اللّه عنه : وقد كان مقتل عمر على يد غلام مجوسي اسمه عبد المغيرة يكنى أبا لؤلؤة . وقد ذكر في سبب قتله له أنه جاء إلى عمر يشكو من شدة الخراج وكثرته ، فقال له : ما خراجك بكثير . فانصرف ساخطا يقول : يسع الناس كلّهم عدله غيري ! ! . . وأضمر قتله . واتّخذ خنجرا وشحذه وسمّه ، وقد كان صاحب صناعات ومهارات شتى ، فكمن له في إحدى زوايا المسجد ، ولما خرج عمر كعادته إلى صلاة الفجر ، هجم عليه فطعنه ثلاث طعنات سقط منها رضي اللّه عنه ، ثم جعل يطعن كل من دنا إليه ، فألقى عليه أحدهم ثوبا ، ولما رأى أن قد تقيّد وتعثر فيه قتل نفسه بخنجره « 7 » . وهذا ما ذكره الرّواة في خبر مقتله ، ولعل وراء ذلك مؤامرة ذات أطراف واسعة ، تلاقت على حوكها أصابع يهودية ونجوسية وزنادقة من فئات شتى . ويبعد أن تكون هذه الجريمة نتيجة تصرف أو ضيق شخصي بسبب كثرة الخراج ، واللّه أعلم . ولما أخبر عمر رضي اللّه عنه بأن قاتله هو أبو لؤلؤة قال : الحمد للّه الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام . ثم قال لابنه : يا عبد اللّه انظر ما عليّ من الدّين ، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألف درهم . فقال : إن وفى مال آل عمر فأدّه من أموالهم ، وإلّا فاسأل في بني عديّ ، فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش . ثم قال له : اذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة ، فقل : يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه ، فذهب إليها ، فقالت : كنت أريده - تعني المكان - لنفسي ، ولأوثرنّه اليوم على نفسي . فلما رجع وأخبر بذلك عمر حمد اللّه عزّ وجلّ . استخلاف عمر لواحد من أهل الشورى : قال بعض الصحابة لعمر استخلف من تراه صالحا من بعدك . فجعل الأمر من بعده شورى بين ستة أشخاص ، وهم : عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وطلحة بن عبيد اللّه ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنهم . وتحرّج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التّعيين ، وقال : لا أتحمل أمرهم حيّا وميتا ، وإن يرد اللّه بكم خيرا يجمع أمركم على خير هؤلاء كما جمعكم على خيركم بعد نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلم . وهكذا ، فإن عمر أول من شكّل هذه الفئة من الصحابة ، وسميت بأهل الشورى . وعهد بأمر الخلافة من بعده إليها ، فكانوا بذلك بمثابة أعلى هيئة سياسية في الحكم . وقد أوصى عمر رضي اللّه عنه أن يحضر مجلسهم عبد اللّه بن عمر مستشارا وناصحا فقط ، لا مرشّحا أو منتخبا ، كما أوصى أن يصلي بالناس صهيب الرومي ثلاثة أيام ، ريثما ينقضي التشاور في الأمر ويجتمع المسلمون على خليفة لهم .
--> ( 7 ) انظر تفصيل ذلك في تاريخ الطبري : 4 / 190 ، والبداية والنهاية لابن كثير : 7 / 137